Commercial Law | Samia Awad | College of Law

Governance of Artificial Intelligence Algorithms in Companies: Between the Ambition of Digital Transformation and the Legal Regulatory Gap in Saudi Arabia حوكمة خوارزميات الذكاء الاصطناعي في الشركات: بين طموح التحول الرقمي وفراغ التنظيم القانوني في السعودية

حوكمة خوارزميات الذكاء الاصطناعي في الشركات: بين طموح التحول الرقمي وفراغ التنظيم القانوني في  المملكة العربية  السعودية

معاذ العمير- سلطان المحترش - أسامة البابطين

اشراف: د. سامية عوض محمد حسن

 

Governance of Artificial Intelligence Algorithms in Companies:
Between the Ambition of Digital Transformation and the Legal Regulatory Gap in Saudi Arabia

Osamah Albabtain , Moath Alumair and Sultan Almohatresh ,Supervised by Dr. Samia Hassan

 

  • المقدمة:

 

يشهد العصر الحديث تسارعًا في التحول الرقمي جعل خوارزميات الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا في قرارات الشركات الإدارية والتشغيلية، مما أثار تحديات قانونية وأخلاقية تتعلق بالشفافية والمساءلة والعدالة عند وقوع الأخطاء. ورغم التطور الذي شهده تنظيم بيئة الشركات في المملكة بعد صدور نظام الشركات الجديد عام 1443هـ، إلا أنه لا يتضمن تنظيمًا واضحًا لحوكمة الخوارزميات، مما يطرح تساؤلًا حول مدى كفاية الأطر النظامية الحالية لضبطها.

يهدف البحث إلى دراسة المفهوم القانوني للخوارزميات، وعلاقتها بمبادئ الحوكمة الرشيدة، وتقييم مدى جاهزية النظام السعودي لمواكبة التطور التقني، مع اقتراح حلول تنظيمية تسد الفجوات التشريعية وتعزز الشفافية والمساءلة.

يعتمد البحث على منهج تحليلي للنصوص النظامية والتطبيقات العملية، مع مقارنة بالتجارب الدولية، وبيان الصعوبات الناتجة عن حداثة الموضوع وندرة المراجع العربية.

ويختتم البحث بالدعوة إلى تطوير الإطار التشريعي لحوكمة الذكاء الاصطناعي داخل الشركات السعودية بما ينسجم مع التحول الرقمي ورؤية المملكة 2030.

 

المطلب الأول: مفهوم الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في البيئة المؤسسية:

  • تمهيد وتقسيم:

مع ازدياد تعقيد بيئة الأعمال وتعدد مصالح الأطراف داخل الشركات، برزت حوكمة الشركات كآلية لضمان الشفافية والمساءلة وحماية حقوق أصحاب المصالح. إلا أن إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في عمليات اتخاذ القرار أوجد تحديات جديدة تتطلب توسيع مفهوم الحوكمة ليشمل هذه الأدوات التقنية ضمن ما يعرف بـ "الحوكمة الخوارزمية".

انطلاقًا من ذلك، يتناول هذا المطلب جانبين رئيسيين: الأول: : تعريف الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، والأسس التي بُني عليها في الفكر القانوني. الثاني: التحول نحو الحوكمة الخوارزمية بوصفها استجابة تقنية في إدارة شؤون الشركات.

  • الفرع الأول: تعريف الذكاء الاصطناعي:

عرّفت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) الذكاء الاصطناعي بأنه أنظمة تستخدم تقنيات قادرة على التنبؤ أو التوليد أو التوصية أو اتخاذ القرار بمستويات متفاوتة من التحكم الذاتي. ويتميّز هذا التعريف بشموليته وواقعيته، إذ يركّز على وظيفة الذكاء الاصطناعي لا على بنيته التقنية، مما يجعله صالحًا لمختلف التطبيقات في الإدارة والصناعة والقانون وغيرها.

كما يبرز مفهوم التحكم الذاتي المتدرّج كعنصر محوري، لتمييز الأنظمة البسيطة عن المتقدمة وفق مستوى استقلالها في القرار، وهو ما يعزز القدرة على التنظيم القانوني المتناسب مع درجة الخطورة.

ومن منظور الحوكمة، يُعد هذا التعريف إطارًا مرنًا يمكّن الجهات التنظيمية من وضع قواعد قانونية شاملة تعتمد على أثر الأنظمة ونتائجها بدلًا من نوع التقنية نفسها، مما يدعم تطوير منظومة فعالة لحوكمة الذكاء الاصطناعي.

  • تعريف الخوارزميات:

في علوم الحاسوب، تُعرّف الخوارزمية بأنها سلسلة من التعليمات المنطقية المصممة لحل المشكلات أو أداء المهام من خلال تحليل البدائل واتخاذ القرارات. ورغم بساطتها الشكلية، فإنها تمثل إطارًا منهجيًا للاستدلال والمعالجة واتخاذ القرار، مما يجعلها جوهر أنظمة الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي.

ولا تُعد الخوارزميات مجرد أكواد تقنية، بل منظومات فكرية وتنظيمية تحدد كيفية التفكير والاستنتاج داخل الأنظمة المؤتمتة، خاصة عندما تُستخدم في مجالات تمس الأفراد كالتوظيف أو التسعير أو التصنيف.

لذلك، تمتد حوكمة الخوارزميات لتشمل ليس فقط مراجعة الكود البرمجي، بل أيضًا تحليل منطق القرار وعدالته وشفافيته وتأثيره على أصحاب المصلحة، بما يربط التقنية بالأبعاد القانونية والأخلاقية والاجتماعية.

  • العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والخوارزميات داخل بيئة الشركات:

تُعد الخوارزميات الركيزة الأساسية لأنظمة الذكاء الاصطناعي، إذ تمكّنه من أداء وظائفه الرئيسة مثل التعلّم، التنبؤ، اتخاذ القرار، ومعالجة البيانات. فالذكاء الاصطناعي لا يعمل ذاتيًا، بل يعتمد على منظومة مترابطة من الخوارزميات التي تحدد الأنماط وتقدّم التوصيات أو القرارات وفق معايير مبرمجة أو مكتسبة آليًا.

وفي بيئة الشركات الحديثة، أصبح الاعتماد على هذه الأنظمة جزءًا من الحوكمة المؤسسية في مجالات مثل التوظيف، إدارة الموارد، تحليل المخاطر، وخدمة العملاء. غير أن تفويض القرارات لأنظمة لا تملك وعيًا قانونيًا أو أخلاقيًا يثير تحديات تتعلق بالمساءلة والرقابة.

ويُعد مثال شركة أمازون نموذجًا واضحًا لذلك، حيث تُوجّه خوارزميات متقدمة الروبوتات في مراكز التوزيع لاتخاذ قرارات تشغيلية سريعة، ما يبرز شكلًا من الحوكمة التلقائية التي تؤثر على جودة الخدمة وكفاءة الأداء. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى إدماج الأنظمة المؤتمتة ضمن منظومة الحوكمة الخوارزمية لضمان الانضباط والشفافية في القرارات التقنية داخل الشركات.

  • مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الشركات:

تُعد التحليلات التنبؤية من أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الشركات، إذ تعتمد على خوارزميات متقدمة لتحليل البيانات التاريخية والحالية بهدف استشراف الاتجاهات المستقبلية ودعم اتخاذ القرار بشكل استباقي وفعّال. وتُستخدم هذه التقنية في مجالات متعددة كالصيانة، وسلاسل الإمداد، وسلوك العملاء.

يبرز مثال شركة أرامكو السعودية التي طوّعت التحليلات التنبؤية للكشف المبكر عن الأعطال وتحسين الكفاءة التشغيلية والسلامة في مرافقها، إضافة إلى استخدامها في تحليل البيانات الضخمة لسلاسل التوريد لتوقع الطلب وتحسين التخطيط اللوجستي، ما يمثل تطبيقًا عمليًا لمفهوم حوكمة الخوارزميات في الصناعة.

كما تستخدم شركة الاتصالات السعودية (STC) هذه التحليلات لفهم احتياجات العملاء وتخصيص الخدمات بدقة. ويسهم هذا النوع من التطبيقات في تعزيز الشفافية والمساءلة وتقليل المخاطر التشغيلية، مما يعكس دور الذكاء الاصطناعي في دعم مبادئ الحوكمة الرشيدة داخل بيئة الأعمال الحديثة.

 

  • الفرع الثاني: دور الذكاء الاصطناعي في حوكمة الشركات:

يشكّل نظام الشركات السعودي الجديد (م/132 لعام 1443هـ) إطارًا تشريعيًا حديثًا يستجيب للتحولات الاقتصادية والتقنية، بما في ذلك إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإدارة والتشغيل. ورغم عدم النص عليه صراحة، فإن مواد النظام خصوصًا 18 و19 توفر أساسًا مرنًا لحوكمة الخوارزميات من خلال تأكيدها على الشفافية والمساءلة وإلزام الشركات بوضع سياسات مكتوبة لإدارة المخاطر والرقابة الداخلية، بما يشمل تقييم أداء الأنظمة الذكية وضمان خلوّها من الانحياز.

كما تُبرز المواد 25 و76 بُعدًا مهمًا يتعلق بالمسؤولية والرقابة؛ فالمادة 25 تضع على عاتق أعضاء مجلس الإدارة مسؤولية قرارات الشركة، ما يثير مسألة مساءلتهم عن القرارات الناتجة عن الأنظمة المؤتمتة، بينما تؤكد المادة 76 دور لجنة المراجعة في الإشراف على فاعلية أنظمة الرقابة الداخلية، وهو ما يمكن أن يمتد بطبيعته إلى مراجعة أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الشركة.

ويعزّز النظام كذلك مبدأ الإفصاح بوصفه شرطًا جوهريًا لقيام الشخصية الاعتبارية للشركة ويمتد هذا الالتزام ليشمل الشركاء والمساهمين وأصحاب المصالح، مما يدعم الشفافية والحوكمة الرشيدة ويوفّر بيئة استثمارية موثوقة. ومع ذلك، وعلى الرغم من وضع النظام لأساس قانوني متين، فإن الحاجة لا تزال قائمة إلى تنظيمات فرعية أكثر تفصيلًا تُعالج صراحة حوكمة الخوارزميات ومسؤولية استخدامها لضمان توازن فعّال بين الابتكار والمساءلة القانونية داخل الشركات السعودية.

  • تنظيم الذكاء الاصطناعي في أوروبا والحاجه اليه في المملكة العربية السعودية

مع تزايد اعتماد الشركات على الخوارزميات في صنع القرار، بدأت الأنظمة القانونية في تنظيم هذا التحول لضمان الشفافية والمساءلة وحماية أصحاب المصالح. وفي هذا السياق يبرز قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (AI Act) الذي عُدّ أول إطار شامل ينظم استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي وفق درجة خطورتها وتأثيرها على الأفراد. ويتميّز بتكامله بين المتطلبات التقنية والالتزامات القانونية الملزمة التي تضمن حوكمة فعّالة للخوارزميات، خاصة في المجالات عالية الخطورة مثل التوظيف ومنح الائتمان وتحليل البيانات الحساسة، مما يجعله نموذجًا دوليًا رائدًا لتنظيم الذكاء الاصطناعي في بيئة الأعمال.

رغم تطور البيئة القانونية في المملكة العربية السعودية وتنظيم الشركات والتحول الرقمي، تظل هناك فجوة تنظيمية واضحة فيما يخص استخدام الخوارزميات في اتخاذ القرارات داخل الشركات. إذ تشير مواد نظام الشركات الجديد (18، 19، 76) إلى مبادئ الحوكمة العامة، لكنها لا تحدد مسؤولية قانونية واضحة عند وقوع أخطاء من الأنظمة الذكية، ولا تلزم الشركات بـ إجراء رقابة دورية أو تقييم للانحياز والشفافية، ما يبرز الحاجة إلى تنظيم صريح لحوكمة الخوارزميات بما يضمن الشفافية والمساءلة.

تمثّل التجربة الأوروبية فرصة مهمة للمشرّع السعودي لتطوير تنظيمات فرعية تضبط استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الشركات، من خلال تصنيف المخاطر ووضع آليات رقابة وإفصاح قانونية واضحة. كما يمكن أن يكون قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي مرجعًا لإعداد إطار سعودي للحوكمة الخوارزمية، بما يتوافق مع رؤية المملكة 2030 ويعزز حماية الحقوق في بيئة الأعمال.

يعدّ قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي لعام 2024 (اللائحة 2024/1689) أول إطار تشريعي عالمي شامل ينظّم استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي عبر منهج قائم على درجة الخطورة Risk-Based Approach. وتؤكد المادة الأولى ضرورة تطوير واستخدام هذه الأنظمة بصورة آمنة ومسؤولة، بما ينسجم مع القيم الأوروبية ويحفظ حقوق الإنسان ويعزز الشفافية والمساءلة والابتكار المستدام. أما المادة الثانية فترسم نطاق التطبيق ليشمل جميع مطوري ومستخدمي الذكاء الاصطناعي داخل الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الجهات الخارجية التي تقدم منتجات أو خدمات تعتمد على الذكاء الاصطناعي داخل السوق الأوروبية.

تحظر المادة الخامسة استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي غير المقبولة أو عالية الخطورة التي تنتهك القيم الإنسانية، مثل المراقبة الجماعية المستمرة Social Scoring، أو برامج التقييم الاجتماعي للأفراد، أو أي تطبيق يهدد كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. وتشكل هذه المادة الأساس القانوني لتحديد الحدود بين الاستخدامات المشروعة وغير المشروعة للذكاء الاصطناعي.

يتناول قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي أحكامًا خاصة بالأنظمة عالية الخطورة (High-Risk AI Systems)، حيث ألزمت المواد من (8) إلى (29) الشركات بإجراء تقييم شامل للمخاطر قبل تشغيل النظام، وضمان جودة البيانات وخلوها من التحيز، وتطبيق معايير واضحة للشفافية، وتوثيق عمليات المراقبة والفحص الدوري لضمان المساءلة القانونية عند وقوع الأخطاء. كما أكدت المادة (52) على مبدأ الإفصاح، بإلزام الشركات إعلام الأفراد عند تعاملهم مع أنظمة ذكاء اصطناعي، مثل روبوتات المحادثة أو أنظمة اتخاذ القرار الآلية، لضمان وعي المستخدم بطبيعة الطرف الذي يتفاعل معه. وأخيرًا، نصّت المادة (112) على قيام المفوضية الأوروبية بمراجعات دورية للقانون وقوائم الأنظمة عالية الخطورة لمواكبة التطورات التقنية والتحديات الأخلاقية.

المطلب الثاني: حوكمة الشركات ومفهوم الحوكمة الخوارزمية:

  • تمهيد وتقسيم:

مع تعقيد العمليات الإدارية في الشركات، نشأ مفهوم حوكمة الشركات لضمان التوازن بين مصالح الأطراف المختلفة مثل المساهمين والإدارة والموظفين والعملاء، وتعزيز الشفافية والمساءلة والثقة في بيئة الأعمال. ومع دخول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى صلب اتخاذ القرار، تطورت الحاجة إلى إعادة تعريف الحوكمة لتشمل تنظيم استخدام الخوارزميات الذكية، فيما يُعرف بـ "الحوكمة الخوارزمية".

ويناقش المطلب جانبين: الأول يوضح المفهوم التقليدي وأسس حوكمة الشركات، والثاني يستعرض التحول نحو الحوكمة الخوارزمية والتحديات القانونية والأخلاقية المترتبة على استخدام الذكاء الاصطناعي.

  • الفرع الأول: المفهوم التقليدي لحوكمة الشركات:

ظهرت أنظمة الحوكمة استجابة للضغوط المتزايدة نحو الانضباط المؤسسي، وأصبحت جزءًا أساسيًا من البنية الإدارية الحديثة في الشركات، خاصة مع تزايد الفضائح المالية وكشف الثغرات في الرقابة الداخلية. هذا الإطار يمهّد لفهم المبادئ الأساسية للحوكمة التقليدية قبل تطورها لاحقًا نتيجة التقدم التقني والتحول الرقمي.

عرّف المشرّع السعودي حوكمة الشركات التقليدية بأنها قواعد قيادة وتوجيه الشركة تشمل آليات لتنظيم العلاقات بين مجلس الإدارة، المديرين التنفيذيين، المساهمين، وأصحاب المصالح، بهدف تسهيل اتخاذ القرارات، وتعزيز الشفافية والمصداقية، وحماية الحقوق، وتحقيق العدالة والتنافسية في السوق وبيئة الأعمال.

عرف البعض حوكمة الشركات بأنها مجموعة من الأسس والمبادئ التي تنظم العلاقة بين مجلس الإدارة وأصحاب الشركة والأطراف الأخرى المتعاملة معها، بهدف تحقيق الحماية والتوازن الأمثل بين مصالح جميع الأطراف.

عرفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حوكمة الشركات بأنها مجموعة من العلاقات المنظمة بين الإدارة التنفيذية للشركة، مجلس الإدارة، المساهمين، والأطراف ذوي العلاقة الآخرين.

أخيرا تم تعريف حوكمة الشركات أيضًا بأنها القوانين والقواعد والمعايير التي تحدد العلاقة بين إدارة الشركة من جهة، وحملة الأسهم وأصحاب المصالح أو الأطراف المرتبطة بالشركة مثل العمال والموردين والدائنين والمستهلكين من جهة أخرى.

من خلال مراجعة التعاريف المختلفة، يتضح أن حوكمة الشركات، رغم اختلاف الصياغات، تتفق على جوهر واحد: تنظيم العلاقة بين مجلس الإدارة، المساهمين، الإدارة التنفيذية، وأصحاب المصالح الخارجيين مثل الدائنين والموردين والعاملين، لضمان التوازن والشفافية في إدارة الشركة.

يركّز تعريف المشرّع السعودي على الآليات والإجراءات التي تنظم اتخاذ القرار لضمان الشفافية والمصداقية وحماية الحقوق، بينما يؤكد تعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على شبكة العلاقات المتبادلة بين الجهات الفاعلة في الشركة، مبرزًا الطابع التشاركي والإداري للحوكمة. أما التعريفات الأخرى، فتركز على المبادئ الحاكمة لهذه العلاقات، مثل التوازن، والانضباط المؤسسي، والعدالة بين الأطراف المختلفة.

استنادًا إلى الرؤية المشتركة للتعاريف، يمكن تعريف حوكمة الشركات بأنها منظومة من القواعد والآليات التنظيمية تهدف إلى توجيه وضبط إدارة الشركة لضمان الشفافية والمساءلة وتنظيم العلاقة بين مجلس الإدارة، الإدارة التنفيذية، المساهمين، وأصحاب المصالح، بما يحقق التوازن بين الحقوق والواجبات ويحافظ على استقرار البيئة المؤسسية.

  • الفرع الثاني: المبادئ العامة للحوكمة في النظام السعودي:

مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الشركات السعودية، برزت الحاجة إلى دراسة علاقته بـ مبادئ الحوكمة الرشيدة المنصوص عليها في نظام الشركات السعودي الجديد لعام 1443هـ، والتي تقوم على تعزيز الشفافية، تحكيم المسؤولية، وحماية حقوق أصحاب المصلحة، لتشكل إطارًا قانونيًا يطبق على أنظمة الذكاء الاصطناعي داخل الشركات.

  1. مبدأ الشفافية:

يشترط نظام الشركات السعودي الجديد على مجالس الإدارة تقديم إفصاح كامل وواضح عن جميع القرارات والإجراءات المؤثرة على مصالح الشركة وأصحابها، بما في ذلك آليات اتخاذ القرار والمخاطر المرتبطة بها.

ينص النظام على أن مجلس الإدارة مسؤول عن إعداد التقارير الدورية والإفصاح عن المعلومات الجوهرية، بما يضمن حماية حقوق المساهمين وأصحاب المصلحة.

تكمن صعوبة تطبيق مبدأ الإفصاح والشفافية في سياق الذكاء الاصطناعي بطبيعة الخوارزميات المعقدة التي غالبًا ما تعمل كـ"صناديق سوداء"، ما يصعّب على الجهات الرقابية والمساهمين فهم كيفية اتخاذ القرارات، ويشكل تهديدًا للالتزام بمتطلبات الشفافية المنصوص عليها في النظام.

  1. مبدأ المسؤولية والمساءلة:

يشترط نظام الشركات أن يتحمل مجلس الإدارة المسؤولية القانونية عن قراراته بحسن نية وبالحرص المعتاد، مع الإشراف المباشر على الأداء الداخلي للشركة. ومع استخدام الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار، لا تُعفى المسؤولية عن المجلس، بل تزداد الحاجة إلى رقابة بشرية دقيقة على القرارات المستندة إلى الخوارزميات.

غياب إطار قانوني واضح لحوكمة الخوارزميات يخلق فراغًا في تحديد المسؤولية القانونية عند حدوث أخطاء أو انحرافات نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي، مما يقلل فرص المساءلة القانونية ويزيد المخاطر.

  1. مبدأ حماية حقوق أصحاب المصلحة:

يشترط النظام حماية حقوق المساهمين والموظفين والعملاء، ما يفرض على الشركات استخدام خوارزميات عادلة ومحايدة تمنع التمييز والتحيز. لكن التحدي يكمن في أن الخوارزميات قد تعكس تحيزات في بيانات التدريب أو التصميم، ما يؤدي إلى قرارات قد تضر ببعض الفئات.

لتفادي الانحياز والمخاطر، تشترط لوائح تنظيمية مثل لائحة حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة السوق المالية أن تضع الشركات نظم رقابية داخلية تضمن نزاهة العمليات وتقييم الخوارزميات المستخدمة.

  1. يمكن رصد عدد من التحديات القانونية التي تواجه تطبيق مبادئ الحوكمة على الذكاء الاصطناعي في الشركات السعودية:
  1. يوجد غياب تنظيم قانوني مباشر: إذ لم تتناول نظم الشركات والحوكمة الحالية إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي بشكل محدد، مما يستدعي تطوير لوائح متخصصة.
  2. تتسم آليات الشفافية بالتعقيد: خاصة مع الخوارزميات المعقدة التي يصعب تفسيرها، ما يهدد مبدأ الشفافية ويستدعي تطوير أدوات تقنية وقانونية جديدة.
  3. تعزيز المساءلة: عبر وضع آليات قانونية واضحة لتحديد المسؤوليات عند وقوع أخطاء أو انحرافات ناتجة عن الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى الأفراد أو مجالس الإدارة .
  4. حماية أصحاب المصلحة: فرض رقابة صارمة لمنع التحيز والتمييز الخوارزمي، ضمانًا لحقوق جميع الفئات المتأثرة .

  ج-  الفرع الثالث: النظام الإيطالي الجديد للذكاء لاصطناعي:

إيطاليا سجلت نفسها كأول دولة أوروبية تعتمد إطارا قانونًا واضحا ينظم الذكاء الاصطناعي، متوافقًا مع التشريعات الأوروبية الخاصة بهذا المجال. النظام القانوني الجديد رقم 132/2025 الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 ويحدد القانون قواعد لتطبيقاته في مجالات عده، من بينها الرعاية الصحية، التعليم، النظام القضائي، والإدارة العامة منها التوظيف.

الأحكام الرئيسية لهاذا النظام:

  • القواعد الخاصة بالقطاعات: يقدم القانون أحكامًا مستهدفة للمناطق الحساسة:

 

  1. الرعاية الصحية: يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يسهم في عمليات التشخيص والعلاج، إلا أن القرار النهائي يجب أن يظل بيد المتخصصين الطبيين. كما يجب أن يكون للمريض الحق في معرفة متى يتم استخدام الذكاء الاصطناعي كجزء من رعايته الصحية.
  2. التوظيف: يتعين على أصحاب العمل إخطار موظفيهم عند اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي داخل بيئة العمل، سواء كان ذلك لأغراض التوظيف أو الرقابة. ينبغي أن يتم استخدام تلك الأنظمة بطريقة تضمن العدالة، مع مراعاة عدم التمييز، والالتزام بمعايير الشفافية والسلامة.

 

  1. النظام القضائي: يسمح بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي كأداة لدعم المهام الإدارية، ومع ذلك تبقى المسؤولية الكاملة عن جميع القرارات القانونية والإدارية النهائية على عاتق القضاة والمسؤولين العموميين وحدهم.

 

  1. المهن الفكرية: يتوجب على المتخصصين، كالمحامين والمحاسبين، أن يطلعوا عملاءهم على استخدامهم للذكاء الاصطناعي كوسيلة مساندة في أداء مهامهم. ومع ذلك، ينبغي أن يحتفظوا بالدور الأساسي لفكرهم المهني كعنصر رئيسي في تقديم الخدمات، لضمان الجودة والتحليل السليم القائم على خبراتهم الذاتية.

 

  • التغييرات في القانون الجنائي وقانون الملكية الفكرية:

 

  1. التزييف العميق: يعد نشر المحتوى المزيف الناتج عن تقنيات الذكاء الاصطناعي (التزييف العميق) بشكل غير قانوني، والذي يلحق ضررًا غير مبرر، جريمة جنائية مستحدثة يُعاقب مرتكبها بالسجن لمدة تتراوح بين سنة وخمس سنوات.
  2. الجرائم المشددة: يُعد توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تنفيذ جرائم محددة كجرائم الاحتيال أو التلاعب بالأسواق من العوامل التي تضفي طابعًا مشددًا على الجريمة، مما يستدعي تطبيق عقوبات أكثر صرامة لتعزيز الردع ومكافحة هذا النوع من الانتهاكات.
  3. حماية القصر: يتطلب السماح للأفراد الذين تقل أعمارهم عن 14 عامًا باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي الحصول على موافقة الوالدين مسبقًا.
  4. الحوكمة والتنفيذ: تم تعيين وكالة إيطاليا الرقمية (AgID) والوكالة الوطنية للأمن السيبراني (ACN) باعتبارهما السلطتين الوطنيتين المسؤولتين عن الإشراف والتنفيذ وتعزيز ابتكار الذكاء الاصطناعي.
  5. الاستثمار: يسمح القانون بتوجيه ما يصل إلى مليار يورو من صندوق رأس المال الاستثماري المدعوم من الحكومة لدعم الشركات المتخصصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، والتقنيات المرتبطة بها.

 

في المجمل، يُعتبر القانون الإيطالي الجديد المتعلق بالذكاء الاصطناعي نموذجاً وطنياً متقدماً يستكمل التشريعات الأوروبية ويعزز أهدافها. يركز هذا القانون على ضمان الاستخدام المسؤول والأخلاقي للتكنولوجيا، مع السعي لحماية الحقوق الأساسية وتعزيز عمليات الابتكار. كما يسلط الضوء على أهمية الرقابة البشرية وضمان مستويات عالية من الشفافية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر القطاعات الحيوية المختلفة.

 

  • الخاتمة:

في الختام، يتبيّن أن النظام القانوني السعودي، وتحديدًا نظام الشركات الجديد لعام 1443هـ، قد أرسى بالفعل مجموعة من المبادئ العامة لحوكمة الشركات، مثل الشفافية، والمساءلة، والعدالة، وهي مبادئ يمكن من خلالها استيعاب تحديات التقنية الحديثة بما فيها خوارزميات الذكاء الاصطناعي. إلا أن هذا النظام، رغم مرونته، لا يزال يفتقر إلى تنظيم خاص ومباشر لحوكمة الخوارزميات داخل بيئة الشركات.

وقد أظهرت الدراسة أن القرارات المؤتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبحت حاضرة بعمق في العملية الإدارية والتشغيلية في الشركات، بدءًا من التوظيف وتحليل البيانات، وصولًا إلى التنبؤات المالية وسلاسل الإمداد، مما يجعل الحاجة إلى إطار قانوني صريح أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. إن غياب تنظيم دقيق لحوكمة الخوارزميات قد يُضعف من تطبيق المبادئ الجوهرية للحوكمة، كالمساءلة القانونية عند الخطأ أو الإفصاح عن قرارات "صندوق أسود" لا يُعرف كيف اتُّخذت.

وبالتالي، فإن الإجابة عن سؤال البحث: ما مدى كفاية النظام القانوني السعودي في تنظيم وضبط حوكمة خوارزميات الذكاء الاصطناعي داخل الشركات بما يضمن الشفافية والمساءلة ويمنع التحيز الخوارزمي؟

على الرغم من أن نظام الشركات السعودي الجديد عزز مبادئ الحوكمة كالشفافية والمساءلة، إلا أنه لم يواكب بعد توسع استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي في الشركات، مما أدى إلى فجوة قانونية تتعلق بالمسؤولية والرقابة على الأنظمة المؤتمتة. ويُعد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (AI Act) نموذجًا متقدمًا يمكن أن يسترشد به المشرّع السعودي لتطوير تنظيمات فرعية تحقق حوكمة رقمية فعّالة ومتوازنة.

 

  1. قائمة المراجع:

1\ الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي - أبريل 2024- سلسلة الذكاء الاصطناعي للتنفيذيين - الطبعة الثانية

الذكاء الاصطناعي - مركز المعرفة، الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي.

2\ International Institute of Management (IIG). (n.d.). Algorithm in computer science: Definition and understanding. https://www.iig.ch/en-en/blog/computer-science/algorithm-computer-science-definition-and-understanding

3\ Robotics, S. D. V. A. (2025, July 1). Amazon deploys over 1 million robots and launches new AI foundation model. https://www.aboutamazon.com/news/operations/amazon-million-robots-ai-foundation-model

4\ أرامكو السعودية. (2023). تقرير الاستدامة لأرامكو السعودية 2023. أرامكو السعودية. https://www.aramco.com/-/media/publications/corporate-reports/sustainability-reports/report-2023/english/2023-saudi-aramco-sustainability-report-full-en.pdf

5\ شركة الاتصالات السعودية. (2022). التقرير السنوي لشركة STC لعام 2022. شركة الاتصالات السعودية. ‏https://www.stc.com.sa/content/dam/stc/stc-annual-report-2022/en/

6\ میشیل, ج. (2023). دور الذكاء الاصطناعی فی حوكمة الشركات. المجلة الدولية للفقه والقضاء والتشريع, 0(0), 0. https://doi.org/10.21608/ijdjl.2023.178158.1186

7\European Commission. (2021). Proposal for a Regulation laying down harmonised rules on artificial intelligence (Artificial Intelligence Act) https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=CELEX%3A52021PC0206.

8\هيئة السوق المالية السعودية، لائحة حوكمة الشركات، الصادرة بقرار مجلس هيئة السوق المالية رقم (8-16-2017) وتاريخ 16/2/2017م، المادة الأولى، منشورة على الموقع الرسمي للهيئة:

https://cma.org.sa/RulesRegulations/Regulations/Pages/default.aspx

9\جورج ميشل، دور الذكاء الاصطناعي في حوكمة الشركات، المجلة الدولية للفقه والقضاء والتشريع، المجلد4، العدد2، 2023م، ص402.

10\بابا عمي صفية، حوكمة الشركات التجارية، رسالة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة قاصدي مرباح، 2018\2019م، ص5.

11\د. محمد سالم أبو الفرج، الوساطة ومنازعات حوكمة الشركات، مجلة المنار للدراسات والبحوث القانونية والسياسية، المجلد5، العدد2، 2021م، ص53.

12\نظام الشركات السعودي الجديد، المرسوم الملكي رقم (م/132) بتاريخ 1/12/1443هـ.

13\لائحة حوكمة الشركات، هيئة السوق المالية، 2017 (محدثة).

14\دليل حوكمة الشركات، وزارة التجارة، الإصدار الأول 2021م.

15\تقرير الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، "حوكمة الذكاء الاصطناعي في السعودية"، 2023.

16\ Farhat, A. (2025, September 22). ChatGPT Privacy leak: Thousands of conversations now publicly indexed by Google. DEV Community. https://dev.to/alifar/exposed-google-is-indexing-private-ai-conversations-heres-what-you-should-know-37m5

17/ Covington. (2025). Global Policy Watch (Italy Adopts Artificial Intelligence Law)

https://www.globalpolicywatch.com/2025/10/italy-adopts-artificial-intelligence-law/

 

18/Squire Patton Boggs. Daniela Sabe, Sara Belotti. (2025). Italian Law no. 132/2025 – The First Domestic Law in the European Union on the Use of Artificial Intelligence.

https://www.squirepattonboggs.com/en/insights/publications/2025/10/italian-law-no-132-2025-the-first-domestic-law-in-the-european-union-on-the-use-of-artificial-intelligence#:~:text=The%20AI%20Law%20devotes%20specific,under%20consent%20of%20their%20parents

19/Norton Rose Fulbright logo. Francesco Gelmetti. (2025). Italy enacts Law No. 132/2025 on Artificial Intelligence: Sector rules and next steps

https://www.nortonrosefulbright.com/en-mh/knowledge/publications/9bfedfea/italy-enacts-law-no-132-2025-on-artificial-intelligence-sector-rules-and-next-steps


 

 

 

 

 

25-Feb-2026


Back to List